الشيخ محمد رشيد رضا
89
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والتأمل في تمييز بعض الخواطر من بعض ، فان الشيطانية منها ربما لا تظهر بادي الرأي وأما الفحشاء فكل ما يفحش قبحه في أعين الناس من المعاصي والآثام ، ولا يختص بنحو الزنا كما قال بعضهم والفحشاء في الغالب أقبح وأشد من السوء وأسوء السوء مبدأ وعاقبة ترك الأسباب الطبيعية التي قضت حكمة الباري بربط المسببات بها اعتمادا على أشخاص من الموتى أو الاحياء يظن بل يتوهم أن لهم نصيبا من السلطة الغيبية والتصرف في الأكوان بدون اتخاذ الأسباب ، ومثله اتخاذ رؤساء في الدين يؤخذ بقولهم ويعتمد على فعلهم ، من غير أن يكون بيانا وتبليغا لما جاء عن اللّه ورسوله فان في هذين النوعين من السوء إهمالا لنعمة العقل وكفرا بالمنعم بها ، واعراضا عن سنن اللّه تعالى وجهلا باطرادها ، وصاحبه كمن يطلب من السراب الماء ، أو ينعق بما لا يسمع غير الدعاء والنداء ، وهذا شان متخذي الأنداد ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) * وأما الرؤساء الذين يحملون العامة على هذا التقليد في الامرين فقد بين تعالى اتباعهم لوحي الشيطان بقوله وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي ويأمركم أن تقولوا على اللّه في دينه الذي دان به عباده ما لا تعلمون علم اليقين ان اللّه شرعه لهم من عقائد وأورادو أعمال تعبدية ، وشعائر دينية ، أو تحليل ما الأصل فيه التحريم ، وتحريم ما الأصل فيه الإباحة ، ولا يثبت شيء من ذلك بالرأي والاجتهاد من قياس واستحسان ، لأنهما ظن لا علم ، فالقول على اللّه بغير علم اعتداء على حق الربوبية بالتشريع ، وهو شرك صريح ، وهذا أقبح ما يأمر به الشيطان فإنه الأصل في إفساد العقائد ، وتحريف الشرائع ، واستبدال الذي هو أدني بالذي هو خير أليس من القول على اللّه بغير علم زعم هؤلاء الرؤساء أن للّه وسطاء بينه وبين خلقه لا يفعل سبحانه شيئا بدون وساطتهم ، فحولوا بذلك قلوب عباده عنه وعن سنته في خلقه ووجهوها إلى قبور لا تعد ولا تحصى ، وإلى عبيد ضعفاء لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ؟ وقد يسمون هذا توسلا اليه أي يتقربون اليه بالشرك به ، ودعاء غيره من دونه أو معه ، وهو يقول ( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) ويقول ( بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ ) أي دون غيره